
الزنَا
الزنا إثم عظيم، وجُرمٌ كبير، وهو من الكبائر المنصوص عليها في الكتاب العزيز والسُّنَّة المطهَّرة، وهو أن يجامع الرجل امرأة من دون وجهٍ شرعي، ونعني بالوجه الشرعي جواز العقد عليها، لأن هناك نساء لا يجوز العقد عليهن كالمحصنة وذات العدة والبكر غير الراشد، وربما البكر الرشيد أيضاً، حيث لا يجوز العقد على الفتيات إلا بإذن من آبائهن، وهذا الإذن يُشترط في العقد سواء كان دائماً أو منقطعاً، وهناك خلاف في مسألة الإذن للبكر الرشيدة، فمنهم من يشترط الإذن، ومنهم من لا يشترط ذلك في صحة العقد.
وعندما نتحدث عن الزاني فإننا نقصد به الطرفين(الرجل والإمرأة) لأن كليهما شريك في الجرم، وعليهما نفس الإثم، إلا إذا اعتدى الرجل عليها وزنا بها من مكرَهةً فعند ذلك يكون الإثم على الباغي خاصةً.
حُرمَةُ الزنَا فِي القُرْآنِ الكَرِيم
هناك أكثر من آية تحدثت عن جرم الزنا وكونه فاحشة كبيرة يترتب عليها عقابان، واحد في الدنيا وواحد في الآخرة إلا إذا حصلت التوبة الصادقة فعند ذلك يُعفى الزاني من عقاب الآخرة، والقرآن الكريم، تارة يذكر النهي عن ارتكاب الزنا، وتارة أخرة يأمر بحفظ الفروج، وثالثة يحكي عن عقاب الزنا الدال على قبحه.
أما الأول: فهو قوله تعالى(وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً)
وأما الثاني: فهو قوله سبحانه(قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ)
وأما الثالث: فهو قوله عز وجل(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ)
مَا هُوَ الزنَا
إن الزنا الذي يترتب عليه عقاب الزنا في الدنيا والآخرة هو الذي يتحقق بالدخول، فإذا لم يحصل الدخول لم يكن هناك زنىً بل إثمٌ آخر، وكلاهما من المحرمات.
وهناك من يستخف ببعض الممارسات المشابهة للزنا، كالتقبيل واللمس والنظر بريبة، فإنهم إن استخفوا بعقابها كان عقابها عند الله أشد من عقاب الزنا لأن الإستخفاف بالذنب الصغير يجعله عند الله عز وجل كبيراً.
العِقَابُ الدنْيَوِي لِلزنَا
الزنا من المحرمات التي يستحق عليها الفاعل عقابين، أما عقاب الآخرة فإنه شديد وطويل وأليم، أجارنا الله والمؤمنين من ذلك العقاب، وأما العقاب الدنيوي له ففيه تفصيل:
إذا كان الزاني متزوجاً فحكمه في الشريعة الرجم حتى الموت، ولا يتم ذلك إلا بأمر من الحاكم الشرعي، فلا يحق لأحد من الناس أن يقيم هذا الحد من حاق نفسه، فإن القيام بالحدود من دون إذن الحاكم محرّمة، وهذا الحكم يشمل الطرفين، فإذا كان كلاهما متزوجاً فإن الحكم لهما واحد، وهو ما بيّناه، أما إذا كانا أعزبين أو أحدهما أعزب فإن حكم الأعزب الزاني أقل من حكم المتزوج الزاني، فحكم الزاني الأعزب هو الجَلد بأمر من الحاكم الشرعي أيضاً، وهو ما أشار إليه القرآن الكريم بقوله سبحانه(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) فهذا هو العقاب الدنيوي للزنا، أما إذا لم يتحقق الزنا بل اقتصر الأمر على بعض المقدمات فهناك نوع من العقاب خاص وهو التعزير، وهذا ما يحدده الحاكم الشرعي، والتعزير يشمل المتزوجين وغير المتزوجين.
المُحَافَظَةُ عَلَى الفُروج
إن المحافظة على الفروج أمرٌ إلهيٌّ يجب الإلتزام به، وهو علامة على الإيمان كما ورد في القرآن الكريم حيث قال سبحانه(قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ)
وقال تعالى(وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
الشيخ علي فقيه



